في ظل الاقتصاد الأردني الحالي حيث يعاني الأردن من نسبة بطالة تصل إلى 21.4% (1) مع نسب أعلى بين الشباب في هذا السياق، يطرح سؤال هام نفسه: لماذا تستمر العديد من المؤسسات في استخدام برمجيات جاهزة مغلقة المصدر بتكاليف تصل إلى ملايين الدولارات في المؤسسات الحكومية والأنظمة المختلفة، في حين نفتقد بشكل واضح تشغيل العقول الموهوبة والأيدي العاملة والمثقفة، واستثمارها بشكل كافٍ؟
كيف تقدم لنا البرامج مفتوحة المصدر مفتاحًا ذهبيًا لفك قيود التبعية التكنولوجية وتحقيق الاستقلال والعدالة و السيادة الوطنية الرقمية ؟
المصادر المفتوحة تشير إلى البرمجيات التي يكون كودها المصدري متاحًا للجميع، مما يسمح للمستخدمين بفحصها، تعديلها،والتعرف على كيفية عملها. هذه البرمجيات تعتمد على مبدأ الشفافية والتعاون المجتمعي، حيث يساهم المطورون جميعهم بتطوير وتحسين البرمجيات التي نستخدمها بهدف تلبية الاحتياجات الخاصة وتخصيص العمل.
في المقابل، البرمجيات مغلقة المصدر تحتفظ الشركات بكودها المصدري سريًا ولا تسمح لأي شخص خارجي بفحصه أو تعديله. هذه البرمجيات تُباع عادة بتراخيص تتطلب دفع رسوم مالية كبيرة، ولا يمكن للمستخدمين إجراء تغييرات أو الاطلاع على طريقة عمل الكود بدون إذن من الشركة المالكة. كما تقدم هذه الشركات المالكة الدعم الفني والتحديثات للبرمجيات المغلقة مقابل رسوم إضافية.
أمثلة على البرمجيات المفتوحة الناجحة تشمل نظام التشغيل لينكس، والذي يستخدم على نطاق واسع في الخوادم وأجهزة الكمبيوتر، ومتصفح الويب فايرفوكس ونظام إدارة المحتوى وبناء مواقع إلكترونية (دروبال)، هذه البرمجيات ليست فقط مجانية، ولكنها أيضاً تتميز بالمرونة والقدرة على التكيف مع متطلبات المستخدمين المختلفة.
قد تسأل: لماذا من المهم أن يستطيع أي مستخدم الاطلاع على الكود المصدري؟
إن الاطلاع على الكود المصدري في البرمجيات مفتوحة المصدر له أهمية كبيرة بالطبع، عندما يكون الكود متاحًا فإنه يمكن للمستخدمين والمطورين فحصه والتأكد من عدم وجود ثغرات أمنية أو وظائف خفية غير مرغوب فيها، أو إمكانية الوصول إلى معلومات خاصة بالزوار، على عكس البرامج مغلقة المصدر التي يمكنها الوصول إلى بيانات الزوار وتناقلها بأهداف تسويقية أو سياسية أو غيرها.
بذلك فإن المصادر المفتوحة تعزز الثقة والأمان وتسمح بالشفافية الكاملة، كما تمكّن المطورين من تخصيص البرامج حسب الاحتياجات الخاصة. وأخيرًا.. إن الكود المصدري يعد مصدرًا قيمًا للطلاب والمطورين الجدد لتعلم كيفية كتابة برامج فعالة وآمنة.
قدرة الدولة على السيطرة والتحكم في البيانات والمعلومات الرقمية التي تتعلق بالأفراد والمؤسسات والحكومات تحقق السيادة الوطنية دون الاعتماد على التكنولوجيا أو البرمجيات الأجنبية. هذا المفهوم يكتسب أهمية متزايدة في عصر الرقمنة، حيث تلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا في الأمن الوطني، الاقتصاد، والتعليم، الأمن، الخدمات الحكومية وغيرها من القطاعات الحيوية.
البرمجيات مفتوحة المصدر تعزز الحفاظ على استقلالية الأفراد والمؤسسات والدول في التحكم في بياناتهم الرقمية، وعدم التبعية للغير في هذا الصدد. بفضل إتاحة الكود المصدري للجميع، يمكن للدول تطوير وتعديل البرمجيات لتتناسب مع احتياجاتها الخاصة، وتمنع الشركات الأجنبية من احتكار التكنولوجيا والتحكم في البيانات الرقمية والمعلومات على مستوى الحكومات والدول كما على مستوى الأفراد.
ذلك يشمل الاستثمار في تدريب الكوادر المحلية على أحدث التقنيات، وتعزيز مهاراتهم في مجالات مثل الأمن السيبراني، والبرمجة، وإدارة الشبكات. إضافة إلى ذلك، دعم البحث والتطوير المحلي يمكن أن يؤدي إلى ابتكار تقنيات جديدة تلبي احتياجات الدولة بشكل أفضل. تعزيز هذه القدرات يساهم في تقليل الاعتماد على الحلول والتكنولوجيا الأجنبية، مما يعزز الاستقلالية الرقمية والأمن الوطني، ويضمن استعداد الدولة للتعامل مع التهديدات السيبرانية بفعالية.
تحقيق السيادة الوطنية الرقمية يتطلب قدرة الدول والمؤسسات على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن السياسات الرقمية والتكنولوجيا. من خلال اعتماد المصادر المفتوحة ، يمكن للحكومات تقليل التأثيرات الخارجية غير المرغوب فيها، مما يتيح لها تطوير سياسات داخلية تتوافق مع احتياجاتها الوطنية. هذا النهج يعزز الاستقلالية في صنع القرار، ويضمن أمان البيانات، وتحديد أولويات الابتكار المحلي.
وفقًا لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يمكن أن تسهم البرمجيات مفتوحة المصدر في توفير التكاليف بنسبة تصل إلى 30% في المؤسسات الحكومية.
أما في دراسة أجرتها "Forrester Research" أشارت إلى أن المؤسسات التي تتبنى البرمجيات مفتوحة المصدر تتمتع بمرونة أكبر وقدرة على الابتكار السريع مقارنة بالتي تعتمد على البرمجيات المغلقة. (2)
إن الحرب جعلت من روسيا مثلَا أو الصين تتطلعان إلى اكتساب الاستقلال والنفوذ من خلال مشاريع مفتوحة المصدر ذات وصول عالمي، حيث أسست الصين العديد من المنصات الإلكترونية ذات الأداء الفني المتميز، وحاليًا تستخدم حوالي 87.4% من الشركات الصينية تقنيات مفتوحة المصدر، كما أن الصين ثاني أكبر دولة في العالم تحتوي على مستخدمين ومطورين في المصادر المفتوحة (3) (4). وتسعى إلى الاعتماد على استخدام تلك التقنيات للاستقلال عن التقنيات الأمريكية، للوصول إلى مكانة مركزية في نظام برمجيات المصدر المفتوح.
أما روسيا فاستغلت انسحاب الشركات الأمريكية من المجال التكنولوجي الروسي عام 2022 لإعلان تحقيق السيادة الوطنية الرقمية كفرصة ذهبية، واستخدمت المصادر المفتوحة كعتاد وسلاح في هذه الخطوة الهامة. (5)
وبالحديث عن الاتحاد الأوروبي، فقد ساهمت المصادر المفتوحة في زيادة 0.4% إلى 0.6% في الناتج المحلي، أي ساهمت بشكل كبير جدًا في الوصول إلى زيادة 10% في الناتج المحلي. (6)
كما قامت كلاً من البرازيل والهند وجنوب إفريقيا أيضًا باستخدام المصادر المفتوحة على مستوى المؤسسات الحكومية والخدماتية لديها من خلال أنظمة فعالة في مجالات الصحة وإدارة المستندات الرقمية والتبليغ الفوري وغيرها من الأنظمة الناجحة.
وضع السياسات والأطر القانونية: تلعب الحكومات دورًا حاسمًا في وضع السياسات والإطارات القانونية التي تعزز استخدام وتطوير المصادر المفتوحة . يمكن أن تشمل هذه السياسات تشجيع استخدام المصادر المفتوحة في القطاعات الحكومية، وتوفير الدعم للمشاريع والمبادرات التقنية المفتوحة المصدر، وتعزيز التعليم والتوعية حول فوائد هذه التقنيات.
على سبيل المثال أصدر وزيـر تكنولوجيـا المعلومـات الهندي في عام 2011، بيانـاً أوصى فيـه باسـتخدام نظـام تشـغيل »لينكـس« فـي القطـاع الحكومـي. (7)
الاستثمار في البحث والتطوير: تلعب الحكومات دورًا في تمويل البحث والتطوير المتعلق بالبرمجيات المفتوحة المصدر وتعزيز قدرات الابتكار التقني داخل البلاد. يمكن لهذه الاستثمارات أن تسهم في تطوير حلول تقنية جديدة تعتمد على المصادر المفتوحة لتلبية احتياجات السوق المحلي.
الشراكات العامة والخاصة: من خلال إقامة شراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية، يمكن للحكومات تعزيز استخدام وتطوير المصادر المفتوحة . هذا يشمل تعزيز التعاون في تطوير البرمجيات، ومشاركة الموارد البشرية والتكنولوجية لتحسين جودة الحلول التقنية.
عندما تعتمد الحكومات المصادر المفتوحة في مؤسساتها وأنظمتها، فإنها تساهم بشكل كبير في تحقيق السيادة الوطنية الرقمية والاستقلال التكنولوجي، وذلك بعدة طرق منها:
السيطرة على التكنولوجيا والبيانات: باستخدام المصادر المفتوحة ، تكون الحكومات قادرة على الوصول إلى الأكواد المصدرية للبرمجيات وفهمها بشكل كامل. هذا يمكنها من تحديد وتعديل البرمجيات لتناسب احتياجاتها، بدون الاعتماد على الشركات التجارية الأجنبية من الدول الأخرى والسماح لها بالاطلاع على البيانات.
تخفيض التكاليف وتحسين الكفاءة: المصادر المفتوحة غالبًا ما تكون أقل تكلفة في الترخيص والصيانة مقارنة بالبرمجيات التجارية المغلقة. بالتالي، يمكن للحكومات توفير المال واستثماره في تطوير البنية التحتية التكنولوجية وتقليل نسبة البطالة.
على سبيل المثال، نجحت ماليزيا بتوفير 80% من التكلفة الكلية للحصول على تراخيص البرمجيات مغلقة المصدر. و 30.5% توفير من التكلفة الكلية. (7)
الأمن السيبراني والشفافية: البرمجيات المفتوحة تتيح للحكومات فحص الأكواد المصدرية بشكل علني، مما يزيد من مستوى الأمان السيبراني ويقلل من خطر الثغرات الأمنية. كما تعزز الشفافية والمساءلة، حيث يمكن للمواطنين والمجتمع المدني فحص البرمجيات التي تستخدمها الحكومة.
تعزيز الابتكار والاستقلال التكنولوجي: باستخدام المصادر المفتوحة ، يمكن للحكومات تعزيز قدراتها في البحث والابتكار التكنولوجي، مما يساعدها في تطوير حلول مبتكرة وتكنولوجيا متقدمة تلبي احتياجاتها الداخلية بدلاً من الاعتماد على التقنيات الأجنبية.
تعزيز الاستدامة التكنولوجية: باستخدام المصادر المفتوحة ، تساهم الحكومات في بناء بيئة تكنولوجية مستدامة تعتمد على الحلول المفتوحة المصدر، وهذا يساهم في الاستدامة الطويلة الأمد للتكنولوجيا الحكومية.
بشكل عام، تساهم الحكومات عندما تعتمد المصادر المفتوحة في تعزيز السيادة الوطنية الرقمية والاستقلال التكنولوجي، من خلال تعزيز الأمان، وتقليل التكاليف، وتحسين الكفاءة، وتعزيز الشفافية، ودعم الابتكار في التكنولوجيا.
في الختام.. لماذا لا يتم الانتقال والسير نحو سيادة الوطن وعدم الانقياد للسياسات الخارجية في حين أننا نستطيع الاستقلال في صنع القرار وحماية بيانات وأمن المعلومات من خلال تبني المصادر المفتوحة ، ليصبح الأردن مستقل تكنولوجياً وعادل وسيّد على مُقَدّراته؟
المصادر: